أحمد بن محمد القسطلاني
226
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وقال الله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } إلى { الْكَعْبَيْنِ } [ المائدة : 6 ] ولكريمة باب في الوضوء وقول الله الخ . وفي نسخة صدر بها في فرع اليونينية عقب البسملة كتاب الطهارة باب ما جاء في الوضوء ، وهو أنسب من السابق لأن الطهارة أعمّ من الوضوء ، والكتاب الذي يذكر فيه نوع من الأنواع ينبغي أن يترجم بنوع عام حتى يشمل جميع ذلك ، ولا بدَّ من التقييد بالماء لأن الطهارة تطلق على التراب كما قاله الشافعي ، والطهارة بالفتح مصدر طهر بفتح الهاء وضمها والفتح أفصح يطهر بالفتح فيهما وهي لغة النظافة والخلوص من الأدناس حسيّة كالأنجاس أو معنوية كالعيوب يقال : تطهرت بالماء وهم قوم يتطهرون أي يتنزهون عن العيب وشرعًا ، كما قال النووي في شرح المهذب رفع حدث أو إزالة نجس ، أو ما في معناهما أو على صورتهما كالتيمم والاغتسالات المسنونة وتجديد الوضوء والغسلة الثانية والثالثة ومسح الأُذنين والمضمضة ونحوها من نوافل الطهارة وطهارة المستحاضة وسلس البول . ( قال أبو عبد الله ) يعني البخاري مما سيأتي موصولاً ( وبيَّن ) وفي رواية الأصيلي قال : وبين ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن فرض الوضوء ) المجمل في الآية السابقة غسل الأعضاء ( مرة ) للوجه ( مرة ) لليد إلى آخره ، فالتكرار لإرادة التفصيل والنصب على أنه مفعول مطلق أو على الحال السادّة مسدّ الخبر أي يفعل مرة . وقال في الفتح : وهو في روايتنا بالرفع على الخبرية اه - . وهو أقرب الأوجه ، والأوّل هو الذي في فرع اليونينية فقط . ( وتوضأ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أيضًا ) وضوءًا ( مرتين مرتين ) كذا في رواية أبي ذر ولغيره مرتين بغير تكرار ، ( و ) توضأ عليه الصلاة والسلام أيضًا ( ثلاثًا ) أي ثلاث مرات ، وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي وثلاثًا بالتكرار ( ولم يزد ) عليه الصلاة والسلام ( على ثلاث ) أي ثلاث مرات ، بل ورد أنه ذم من زاد عليها كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند أبي داود وغيره بإسناد جيد أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال : " من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم " أي ظلم بالزيادة بإتلاف الماء ووضعه في غير موضعه ، وظاهره الذم بالنقص عن الثلاث وهو مشكل . وأجيب : بأن فيه حذفًا تقديره من نقص من واحدة فقد أساء . ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد مرفوعًا : " الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا فمن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث فقد أخطأ " . وهو مرسل ورجاله ثقات . وقال في المجموع عن الأصحاب وغيرهم : إنّ المعنى زاد على الثلاث أو نقص منها . قال : واختلف أصحابنا في معنى أساء وظلم ، فقيل : أساء في النقص وظلم في الزيادة . فإن الظلم مجاوزة الحدود ووضع الشيء في غير محله ، وقيل : عكسه لأن الظلم يستعمل بمعنى النقص لقوله تعالى : { آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا } [ الكهف : 33 ] وقيل : أساء وظلم فيهما . واختاره ابن الصلاح لأنه ظاهر الكلام اه - . وأجيب أيضًا : بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه ، بل أكثرهم اقتصر على قوله فمن زاد فقط كما رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره بل عدّ مسلم قوله أو نقص مما أنكر على عمرو بن شعيب ، وإنما تحسب غسله إذا استوعب العضو فلو شك في العدد أثناء الوضوء ، فقيل : يأخذ بالأكثر حذرًا من زيادة رابعة ، والأصح بالأقل كالركعات والشك بعد الفراغ لا عبرة به على الأصح لئلا يؤدّيه الأمر إلى الوسوسة المذمومة ، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر على ثلاثة بالهاء ، والأصل عدمها إذ المعدود مؤنث لكنه أوّله بأشياء ، وفي أخرى على ثلاث . ( وكره أهل العلم ) المجتهدون ( الإسراف فيه ) كراهة تنزيه وهذا هو الأصح من مذهبنا وعبارة إمامنا الشافعي في الأم : لا أحب أن يزيد المتوضئ على ثلاث ، فإن زاد لم أكرهه أي لم أحرمه لأنه قوله : لا أحب يقتضي الكراهة . وقال أحمد وإسحاق وغيرهما : لا تجوز الزيادة على الثلاث ، وقال ابن المبارك : لا آمن أن يأثم . ثم عطف المؤلف على السابق لتفسيره قوله ( وأن يجاوزوا ) أي أهل العلم ( فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، فليس المراد بالإسراف إلا المجاوزة عن فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثلاث ، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : ليس بعد الثلاث شيء . 2 - باب لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُور هذا ( باب ) بالتنوين ( لا تقبل ) بضم المثناة